-وخافوا - رضي الله عنهم - من تقصيرهم في تأدُّبهم معه - صلى الله عليه وسلم؛ فعن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: افتقَد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثابتَ بن قيس - رضي الله عنه - فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلمه، فأتاه فوجَده جالسًا في بيته، مُنكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد حبِط عمله، وهو من أهل النار.
فأتى الرجل، فأخبره: أنه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: (( اذهب إليه، فقل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة ) ).
وأما التأدُّب معه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، فيكون بأمور؛ منها:
أولاً: التواضع والإجلال له عند ذِكره - صلى الله عليه وسلم - وعند قراءة حديثه؛ كان الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - إذا أراد أن يقرأ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضَّأ وجلَس على صدر فراشه، وسرَّح لِحيته، وتمكَّن من جلسته بوَقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك؟ فقال: أحبُّ أن أعظِّم حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: الإجلال والمهابة له عند زيارة قبْره الشريف؛ قال ابن القيم - رحمه الله - في التأدُّب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند زيارة قبره:
ثم انْثَنينا للزيارة نقْصِد الْـ = قبرَ الشريف ولو على الأجْفانِ
فنَقوم دون الْقبر وَقْفة خاضعٍ = مُتَذلِّلٍ في السرِّ والإعْلانِ
فكأنَّه في القبر حيٌّ ناطقٌ = فالواقفون نَواكسُ الأذقانِ
مَلَكتْهم تلك المَهابة فاعْتَرَتْ = تِلْك القوائمَ كَثْرةُ الرَّجْفانِ
وتَفجَّرتْ تلك العُيون بمائِها = ولطالَما غاضَت على الأزمانِ
وأتى المُسلِّم بالسلام بِهَيبةٍ = ووَقار ذي علْمٍ وذي إيمانِ
لم يَرفع الأصوات حول ضَريحهِ = كلاَّ ولَم يَسجد على الأذقانِ
كلاَّ ولَم يَر طائفًا بالقبر أُسْـ = بوعًا كأنَّ القبر بيتٌ ثانِ
ثم انْثَنى بدعائهِ مُتوجِّهًا = لله نحْو البيْت ذي الأرْكانِ
هذي زيارة مَن غدا متمسِّكًا = بشَريعة الإسلام والإيمانِ