ثم قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ} إتماماً للتوحيد ، وذلك لأن التوحيد بين التعطيل والتشريك ، وطريقة التوحيد هي الطريقة ، فالمعطل يقول لا إله أصلاً ، والمشرك يقول في الوجود آلهة ، والموحد يقول قوله الاثنين باطل ، نفي الواحد باطل ، فقوله تعالى: {فَفِرُّواْ إِلَى الله} [الذاريات: 50] أثبت وجود الله ، ولما قال: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ} نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين ، ولهذا قال مرتين: {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي في المقامين والموضعين ، وقد ذكرنا مراراً أن المعطل إذا قال لا واجب يجعل الكل ممكناً ، فإن كل موجود ممكن ، ولكن الله في الحقيقة موجود ، فقد جعله في تضاعيف قوله كالممكنات فقد أشرك ، وجعل الله كغيره ، والمشرك لما قال بأن غيره إله يلزم من قوله نفي كون الإله إلها لما ذكرنا في تقرير دلالة التمانع مع أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله للزم عجز كل واحد ، فلا يكون في الوجود إله أصلاً ، فيكون ناقياً للإلهية ، فيكون معطلاً ، فالمعطل مشرك ، والمشرك معطل ، وكل واحد من الفريقين معترف بأن اسمه مبطل ، لكنه هو على مذهب خصمه يقول إنه نفسه مبطل وهو لا يعلم ، والحمد لله الذي هدانا ، وقوله {وَلاَ تَجْعَلُواْ} فيه لطيفة ، وهي أنه إشارة إلى أن الآلهة مجعولة ، لا يقال فالله متخذ لقوله {فاتخذه وَكِيلاً} [المزمل: 9] قلنا الجواب: عنه الظاهر ، وقد سبق في قوله تعالى: {واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً} [مريم: 81] .
كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)