قال صاحب الكشاف: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه، أو من جنس الناس الذين عهدهم .. أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالا لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون فعرفوني من أنتم .. .
وقيل: إن إبراهيم قد قال ذلك في نفسه، والتقدير: هؤلاء قوم منكرون، لأنه لم يرهم قبل ذلك.
وقال إبراهيم في جوابه عليهم سَلامٌ بالرفع، لإفادة الدوام والثبات عن طريق الجملة الاسمية، التي تدل على ذلك، وللإشارة إلى أدبه معهم، حيث رد على تحيتهم بأفضل منها.
ثم بين - سبحانه - ما فعله إبراهيم بعد ذلك فقال: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أي: فذهب إلى أهله في خفية من ضيوفه. فجاء إليهم بعجل ممتلئ لحما وشحما.
يقال: راغ فلان إلى كذا، إذا مال إليه في استخفاء وسرعة.
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ أي: فذهب إلى أهله فذبح عجلا وشواه، فقربه إلى ضيوفه وقال لهم: أَلا تَأْكُلُونَ أي: حضهم على الأكل شأن المضيف الكريم. فقال لهم على سبيل التلطف وحسن العرض: ألا تأكلون من طعامي.
قال ابن كثير: وهذه الآيات انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة. ولم يمتن عليهم أولا فقال: نأتيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل سمين مشوى فقربه إليهم، لم يضعه وقال:
اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال:
أَلا تَأْكُلُونَ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق. فافعل.
ولكن إبراهيم مع هذا العرض الحسن، والكرم الواضح، لم يجد من ضيوفه استجابة لدعوته. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي: فأضمر في نفسه خوفا منهم حين رأى إعراضا عن طعامه، مع حضهم على الأكل منه، ومع جودة هذا الطعام.
وهنا كشف الملائكة له عن ذواتهم فقالوا لا تَخَفْ أي: لا تخف فإنا رسل الله وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي: وبشروه بغلام سيولد له، وسيكون كثير العلم عند ما يبلغ سن الرشد، وهذا الغلام إسحاق - عليه السلام - .
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من امرأته بعد أن سمعت بهذه البشرى فقال: