أَيْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ حَسُنَ الْحَذْفُ فِي الرَّدِّ، لِأَجْلِ الْحَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فِإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ:"وَرَحْمَةُ اللَّهِ» فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُهُ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ."
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أَنْ يُحَيِّيَ الْمُسَلِّمَ بِمِثْلِ تَحِيَّتِهِ عَدْلًا، وَبِأَحْسَنَ مِنْهَا فَضْلًا، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلَامِهِ، كَانَ قَدْ أَتَى بِالْعَدْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي لَفْظَةِ"الْوَاوِ"فِيهِ، فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: بِالْوَاوِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَلِكَ رَوَاهُ مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ) وَحَدِيثُ سفيان فِي"الصَّحِيحَيْنِ"وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِإِسْقَاطِ"الْوَاوِ"، وَفِي لَفْظٍ لمسلم وَالنَّسَائِيِّ: فَقُلْ (عَلَيْكَ) بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَقَالَ الخطابي: عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ (وَعَلَيْكُمْ) بِالْوَاوِ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ (عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَذَفَ الْوَاوَ صَارَ قَوْلُهُمُ الَّذِي قَالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَبِإِدْخَالِ الْوَاوِ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ مَعَهُمْ، وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوا، لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ وَالِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.