{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ} [الدخان: 24] بحر الحق تعالى {رَهْواً} [الدخان: 24] ، مشقوقاً بعصا الذكر، {إِنَّهُمْ} [الدخان: 24] ؛ يعني فرعون النفس وصفاتها {جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24] فانين في بحر الوحدة، {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} [الدخان: 25] ؛ أي: جنات الشهوات، {وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] من مستلذات الحيوانية، {وَزُرُوعٍ} [الدخان: 19] ؛ بإهانة عباد الله واستحقاقهم، {إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 26] في الآمال الفاسدة {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] من المقامات الروحانية بعبورها عليها، {وَنَعْمَةٍ} [الدخان: 27] من تنعمات الدنيا والآخرة بالسير والإعراض عنها، {كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} متنعمين.
وبقوله: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} [الدخان: 28] ، يشير إلى أنه الصفات النفسانية وإن فنيت بتجلي الصفات الربانية، فمهما يكون القالب باقياً بالحياة يتولد من الصفات النفسانية والحيوانية، فيكون وارث تلك الصفات الفانية إلى أن تفنى هذه الصفات المتولدة بالتجلي أيضاً، ولو لم تكن هذه المتولدات ما كان السائر الترقي؛ فافهم جداً، وبهذا الترقي يبرأ السائر على المقام الملكي؛ لأنه ليس للملك ترقياً من مقامه، كما قال: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] .
وبقوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} [الدخان: 29] ، يشير إلى أن سماء الأرواح وأرض الأشباح إنما تبكي على النفس وصفاتها؛ إذ لم تستعد بتبدل الأخلاق، ولم تفن في صفاته، {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] لنيل هذه السعادة العظمى.