وبقوله: {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 21] ، يشير إلى مداهنة الروح المسلم مع النفس الكافر؛ وذلك بأن الروح العلوي يدعو النفس السفلية إلى عالم عبودية الله ومراتب قربه، ومن طبيعة النفس المارة بالسوء أن تدعو الروح العلوي إلى العالم السفلي، وتدارك البعد عن الحضرة؛ فمن دأب أهل البدايات والمداهنة بين الروح والنفس على شرط أن الروح يقول مع النفس وصفاتها: {قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1 - 6] ، إلى أوان غلبة الروح وصفاته على النفس وصفاتها، فينزل فيه آية القتال جاهداً الكفار والمنافقين، وأغلظ عليهم {فَدَعَا رَبَّهُ} [الدخان: 22] ، بعد اليأس عن إيمان النفس وإصرارها على متابعة هواها {أَنَّ هَا ؤُلاَءِ} [الدخان: 22] ؛ يعني: النفس وصفاتها {قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} [الدخان: 22] ، مصرون على كفرهم ومتابعة هواهم، فيلهم الله الروح أن أسر بعبادي؛ فيمده بالسير من عالم البشرية إلى عالم الروحانية، ومن عالم الروحانية إلى عالم الربانبة إلى أن يتخلق الروح بأخلاق الحق، فلا بد للنفس بالتأييد الإلهي أن يتبع الروح عند استيلاء سلطان الحق عليه، وهذا تحقيق قوله: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] .