ثم أخبر عن فتن أرباب المحن بقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} [الدخان: 17] ، يشير إلى أنه تعالى جعل فرعون وقومه فيما فتنهم فداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتعتبر هذه الأمة بهم فلا يصرون في جحودهم كما أصروا، ويرجعوا إلى طريق الرشد، ويقبلوا دعوة رسولهم ويؤمنون بما جاء؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم بعد أن جاءهم رسول كريم طالبهم بإزالة الظلم عن نبي إسرائيل، واستنصر بالله وأظهر الحجة من قبل الله، ثم أمرهم: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] .
وهم أمانة الله ردوهم إلى: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ} [الدخان: 19] ، من المعجزات الظاهرة الباهرة القاهرة، {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي} [الدخان: 20] ، من شر نفسي {وَرَبِّكُمْ} [الدخان: 20] ، من شر نفوسكم {أَن تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] ، لشيء من الفتن.
وفيه إشارة أخرى، وهي: أن الله فتن فرعون وقومه، وهم صفات النفس وجاءهم رسول كريم من الخواطر الرحمانية: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} [الدخان: 18] ؛ أي: بني إسرائيل صفات القلب {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] عند الحق أؤدِّيهم إليه، {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ} بالاعتداء والاستكبار أنى أتيكم من الله سلطان مبين، بدلائل وحجج واضحة وبراهين قاطعة من واردات ترد على القلوب؛ فتعجز النفوس عن تكذيبها.