يسلم في الْمَلَائكَة المعصومين ثم نقل عن بعض التفاسير أنه قال: وأما وصف الْمَلَائكَة بأنهم
لا يعصون ولا يستكبرون فدليل لتصور العصيان منهم ولولا تصوره لما مدحوا به لكن
طاعتهم طبيعية وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبيعية ولا
يستنكر من الْمَلَائكَة صدور العصيان مع قصة هاروت وماروت انتهى. قوله فدليل لتصور
العصيان الخ. ضعيف؛ إذ الْكَلَام في الصدور لا في التصور، والآية الكريمة تدل عَلَى انتفاء
صدور العصيان والاستكبار في عموم الأوقات حيث دل النفي عَلَى العموم عَلَى أن كلامه
منقوض بقَوْلُه تَعَالَى: (لَمْ يَلدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فما
هو جوابكم فهو جوابنا، وقصة هاروت وماروت قد عرفت مرارًا أنها محكية عن الْيَهُود
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
قوله: (ولعل ضربًا من الْمَلَائكَة لا يخالف الشَّيَاطين بالذات) أي الجن كما يدل عليه ما
في سباق قوله لا يقال (وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات) والاخْتلَاف بالعوارض لا يوجب
الاخْتلَاف بالذات، كَمَا صَرَّحُوا به في عامة الكتب فيكون ذلك الضرب من الجن لا ضربًا من
الْمَلَائكَة، أَلَا [تَرَى] أن البررة والفسقة كلاهما إنسان، وكَذَلكَ هنا (كالبررة والفسقة من الإنس) .
قوله: (والجن يَشْمَلهما) أي الشَّيَاطين والجن مُطْلَقًا والْمَلَائكَة بحسب الاشْتقَاق
لأنهم كالجن مستورون عن أعين النَّاس قال تَعَالَى (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)
يعني الْمَلَائكَة. قال الْمُصَنّف ومراده أن الجن يطلق عَلَى الْمَلَائكَة عموما
باعْتبَار الاشْتقَاق فالْمُرَاد بالجن في قَوْله تَعَالَى: (كَانَ منَ الْجنّ) معنى عام
للجن المعهود ولضرب من الْمَلَائكَة لا يخالف الشَّيَاطين (وكان إبليس منهم) فيصح الجمع
بين كونه من الْمَلَائكَة ومن الجن.
قوله: (كما قال ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما -) لأنه قال إن من الْمَلَائكَة ضربًا
يتوالدون يقال لهم الجن، وهذا عين ما قاله أولًا، وذهب البعض إلَى الفرق بَيْنَهُمَا وهو
تعسف؛ إذ معنى يقال لهم الجن يطلق عليهم الجن من إطلاق العام عَلَى الخاص، كأنه غلب
عليهم اسم الجن يتبادرون منه حين ذكر مع أن إطلاق الجن باعْتبَار الاشْتقَاق عام لجميع
الْمَلَائكَة لاستتارهم [عن] الأعين كما مر.
قوله: (ولذلك) أي ولعدم مخالفته الشَّيَاطين بالذات(صح عليه التغير عن حاله
والهبوط عن محله)لكونه مستعدا لهما لذاته كذا قيل. وهو مؤيد لما قلنا من أنه حِينَئِذٍ كونه
من الشَّيَاطين هُوَ الأولى من عده من الْمَلَائكَة (كما أشار إليه بقوله عز وجل:(إلَّا إبْليسَ)
كَانَ منَ الْجنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه).
قوله: (لا يقال كَيْفَ يصح ذلك) أي عدم مخالفة الْمَلَائكَة الْمَذْكُورين الجن بالذات
أي لا يصح؛ إذ إنكار الكيفية إنكار للصحة كتابة(والْمَلَائكَة خلقت من نور، والجن من نار
لما روت عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قال:"خلقت الْمَلَائكَة من النور، وخلق"
الجن من مارج من نار) حديث صحيح رواه مسلم.