{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جملتان جاريتان مجرى البيان، والتفسير للجملتين المصدرتين بأما إذ يشتملان على أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة وعلى أن العلم بكونه حقاً من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، والجهل بموقعه من الضلالة التي يزداد بها الجهال خبطاً فِي ظلمتهم، وهاتان يزيدان ما تضمنتاه وضوحاً أو أنهما جواب لدفع ما يزعمونه من عدم الفائدة فِي ضرب الأمثال بالمحقرات ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه وسيلة إلى هداية المستعدين للهداية وإضلال المنهمكين فِي الغواية، وصرح بعضهم بأنهما جواب لماذا ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددي والمضارع يستعمل له كثيراً، ففي التعبير به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان، قيل: ووضعهما موضع الفعل الواقع فِي الاستفهام مبالغة فِي الدلالة على تحققهما فإن أرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية فِي سلك الإرادة لإيهامه تساويهما فِي التعلق وليس كذلك، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما يشير إليه قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 1 2] وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختيار، وقدم فِي النظم الإضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب، وتقدمها بالرتبة والشرف لأن قولهم ناشئ من الضلال مع أن كون ما فِي القرآن سبباً له أحوج للبيان لأن سببيته للهدى فِي غاية الظهور، فالاهتمام ببيانه أولى، ووصف كل من القبيلتين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قليلون بالنسبة إلى أهل الضلال وبعيد حمل كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد