... فأنت مع الليل والنهار فِي جميع هذه الآيات - وكثير أمثالها - ولكنك فِي كل مرة فِي معرض غير الآخر وفى مشهد غير الآخر - ففى الآية الأولى أنت مع عملية متدرجة يدخل فيها الليل فِي النهار فِي رويدا رويدا، ويدخل النهار فِي الليل كذلك بالتدريج. ولكنك فِي الآية الثانية مع مشهد مختلف فالليل يغشى النهار ولكن فِي حركة تشبه السباق أو الملاحقة؛ فالليل يلاحق النهار ليدركه أو يسبقه، ولكنه يظل فِي طلبه فِي حركة دائبة لا تنتهى، وهذا يمثل دوران الليل والنهار على سطح الكرة الأرضية. بينما كان المشهد فِي الآية الأولى يمثل بقعة واحدة منها، فِي اللحظات التي يتداخل فيها الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما فِي الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التي يرد فيها ذكر الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما فِي الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التي يرد فيها ذكر الليل والنهار، يناسب جو الغضب الذي ينصب فِي السورة على الكافرين المعاندين، وهو مشهد (( سلخ ) )النهار من الليل، فإذا النور يختفى فجأة والليل يسوده الظلام (1) . أما الآية الرابعة فهي تخيل مشهدا غير موجود فِي الحقيقة وهو النهار السرمدى الذي لا يتلو ليل، والليل السرمدى الذي لا يتلوه نهار، والذي يعرض لبيان فضل الله ورحمته بالناس، الذي جعل الليل والنهار خلفة، يخلف أحدهما الآخر، فيتيح للناس فترة للعمل والنشاط، وفترة للسكون والراحة. ولولا ذلك لتحولت الحياة إلى عذاب دائم، سواء فِي الليل السرمدى الذي لا ضياء فيه، أو النهار السرمدى الذي لا سكن فيه. وأما الآية الخامسة فتعرض مشهدا مختلفا فالليل والنهار آيتان، ولكن آية الليل محيت! وهذا تصوير لكون الليل مظلما من ذات نفسه، إنما هو صار هكذا لأن الله الخالق (( محاه ) )، بينما جعل
(1) راجع ما قلناه عن هذا المشهد فِي الفصل السابق0