وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة:"فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعت ، ولا خظر على قلب بشر"إذن: كيف نُسمِّي هذه الأشياء؟ وكيف نتصَّورها وهي فوق إدراكاتنا؟ لذلك سنفاجأ بها حين نراها إنْ شاء الله .
ثم أَلاَ ترى أن الحق سبحانه حينما يعرض علينا طرفاً من ذكر الجنة لا يقول لنا الجنة كذا وكذا ، إنما يقول: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون ...} [الرعد: 35] أي: أن ما نعرضه عليك ليس هو الجنة ، إنما شبيه بها ، أما هي على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة ، فأنا أعطيكم الصورة القريبة لأذهانكم .
ثم يُنقى الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في الدنيا ، وتأمل في ذلك قول الله تعالى عن نعيم الجنة: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ ...} [محمد: 15] وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار ، فنقَّاه الله من هذه الآفة .
وكذلك في {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ...} [محمد: 15] وكان العربي إذا سار باللبن يحمض فيعافه {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ...} [محمد: 15] وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل ، وتذهب به ، وليس في شربها لذة ؛ لذلك نرى شاربها والعياذ بالله يتجرَّعها مرة واحدة ، ويسكبها في فمه سَكْباً ، دليلاً على أنها غير طيبة ، وهل رأيت شارب الخمر يمتصُّها مثلاً كما تمتص كوباً من العصير ، وتشعر بلذة شربه؟
وقد وصف الله خمر الآخرة بقوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47]
ثم يقول سبحانه: {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ...} [محمد: 15] فوصف العسل بأنه مُصفَّى ؛ لأن آفة العسل عندهم ما كان يعلَق به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال ، فصفَّى الله عسل الآخرة من شوائب العسل في الدنيا .