واذكر إذ قال لقمان لابنه وهو ينصحه ويذكره بما هو خير له، نصيحة أب محبٍّ لولده مشفق عليه، فهو حقيقٌ أن يمنحه أفضل ما يَعْرف، ويسُوق إليه كل ما فيه الخير له: ولهذا أوصاه أوَّلًا بأن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا، وقال محذرًا: إن الشرك لظلم عظيم، أي: أعظم الظلم.
روى الإمام البخاري بسنده المتصل عن عبد الله قال: لمَّا نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إيمانه بظلم؟ فقال رسول - صلى الله عليه وسلم:"إنَّه ليس بذاك، ألَا تسمع إلى قول لقمان: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ورواه مسلم من حديث الأعمش - اهـ: ابن كثير."
وإنما كان الشِّرك ظلمًا عظيمًا لأن التسوية بين من لا نعمة إلاَّ منه وما لَا نعمة منه البتة، ولا يُتصور أن تكون منه نعمة، إنما هو ظلم لا يُكْتنه عِطَمُهُ.
وقوله - تعالى: {وَهُوَ يَعِظُهُ} قال الراغب: الوعظ: زجر مقترن بتخويف.
وقال الخليل: التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
المفردات:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} : أمرناه ببرِّهما.
{وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} : ضعْفا على ضعف.
{وَفِصَالُهُ} : وفطامه.
{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} : تفسير لـ"وصينا"وما بينهما مؤكد للوصيَّة في حقِّ الأُم خاصة.
{إِلَيَّ الْمَصِيرُ} : إليَّ المرجع لا إلى غيري.
{وَإِنْ جَاهَدَاكَ} : وإن حملك والداك بجهد.
{مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} : أي ما ليس لك علم باستحقاقه العبادة.