ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها ، ومهما عَظْمَتْ إمكاناتنا في الدنيا ، فلن نرى فيها نهراً من الخمر ، أو من اللبن ، أو من العسل ، ثم إن هذه الأنهار تجري في الجنة بلا شطآن ، بل ويتداخل بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الآخر ، وهذه طلاقة القدرة التي لا حدود لها .
إذن: الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة ، وحين يَصفُها يعطينا المثال لا الحقيقة ، ثم يُنقِّى هذا المثال مما يشوبه في الدنيا .
ومن ذلك أن العربي كان يحب شجرة السِّدر أي النبق ، فيستظل بظلها ، ويأكل ثمرها ، لكن كان ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك لا بُدَّ أنْ تؤذى مَنْ يقطف ثمارها ، فلما ذكرها الله تعالى في نعيم الجنة قال عنها: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} [الواقعة: 28] أي: منزوع الشوك ، فالمتعة به تامة لا يُنغِّصها شيء .
ولما تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 74] فنفى عنهن ما يُنغِّص على الرجل جمال المرأة في الدنيا ، وطمأنك أنها بِكْر لم ينظر إليها أحد قبلك .
لهذا قال تعالى عن نعيم الجنة {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ . .} [السجدة: 17] والقرة والقُرور أي: السكون ، ومنه قرَّ في المكان أي: استقر فيه ، والمعنى أن الإنسان لا يستقر في المكان إلا إذا وجد فيه راحته ومُقوِّمات حياته ، فإذا أردتَ أنْ تستقر في مكان أو تشتري شقة مثلاً تسأل عن المرافق والخدمات من ماء وكهرباء وطرق . . الخ .