حتى نحن في تعبيراتنا العامية وفي الريف الذي يحتفظ لنا بخصائص الفطرة النقية التي لم يَشُبْها زيف الحضارات ولا زخرفة المدينة ، وهذه الفطريات تستهوي النفوس وتجذبها ، بدليل أن الإنسان الحضاري مهما بلغ القمة وسكن ناطحات السحاب ، وتوفرتْ له كل كماليات الحياة لا بُدَّ أنْ يأتي اليوم الذي يلجأ فيه إلى أحضان الطبيعة ، فلا ترتاح نفسه ، ولا تستقر إلا في الريف ، فيقضي هناك عدة أيام حيث تهدأ هناك نفسه ، وتستريح من ضوضاء المدينة ، والبعض يسمونها (الويك إند) .
فمعنى (قرة العين) أي: استقرارها على شيء بحيث لا تتحول عنه إلى غيره ، والعين لا تستقر على الشيء إلا إذا أعجبها ، ورأتْ فيه كل ما تصبو إليه من متعة .
ومن ذلك قولنا (فلان عينه مليانة) يعني: لا يحتاج مزيداً من المرائي غير ما يراه (وفلان عينه فارغة) يعني: لا يكتفي بما يرى ، بل يطلب المزيد ، فينظر هنا وهناك .
ففي الجنة تقرّ العيون بحيث لم يَعُدْ لها تطلعات ، فقد كَمُلَتْ لها المعاني ، فلا ينبغي لها أنْ تطمع في شيء آخر إلا الدوام .
لذلك يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ...} [طه: 131]
فالإنسان إذا كانت عينه فارغة تراه زائغ العينين ، ينظر هنا وهناك ، ولو كانت عينه (مليانة) لانتهى عندها .
ومن معاني مادة (قرَّ) القُرُّ وهو البرد الشديد ، وهذا المعنى يَكْنُون به عن سرور النفس ، فالعين الباردة أي: المسرورة ، أما العين الساخنة فهي الحزينة المتألمة .
ومن المعاني أيضاً لقرور العين سكونها وعدم حركتها لِعلَّة أو عمى ، ومن ذلك قول المرأة التي دخلتْ على الخليفة فقالت: أقرَّ الله عينك ، وأتمَّ عليك نعمتك .