وفي موضع آخر قال تعالى عنهم: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ثم يقول سبحانه: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ . .} [السجدة: 16] أي: يدعون ربهم وهم على حال التعب ، كأن الدعاء مجرد الدعاء يريحهم ، لماذا ولم يُحَابوا بعد؟ قالوا: لأنهم وضعوا حاجاتهم وطلبهم عند قادر على الإنفاذ ، ثم إن حلاوة لقائهم بربهم في الصلاة تُنسيهم التعب الذي يعانون .
والمؤمنون يدعون ربهم {خَوْفاً وَطَمَعاً . .} [السجدة: 16] أي: خوفاً مما حدث منهم من تقصير في حق الله ، وأنهم لم يُقدِّموا لله تعالى ما يستحق من التقوى ومن الطاعة {وَطَمَعاً . .} [السجدة: 16] أي: في المغفرة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16] والمراد هنا الزكاة .
لذلك نرى في قوله تعالى: {تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع . .} [السجدة: 16] أن هذا التجافي كان بقصد الصلاة ؛ لأن القرآن عادةً ما يقرن بالصلاة بالزكاة ، فقال بعدها: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16]
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
قلنا: إن الحق سبحانه أخفى أسرار الخير عن الخَلْق ، ولم يُعْطهم منها إلا على قدر حاجتهم منها ، فإذا أراد سبحانه أنْ يُجازي عباده المؤمنين لا يجازيهم بما يعملون من خيرات الدنيا وإمكاناتهم فيها ، إنما يجازيهم بما يعلم هو سبحانه ، وبما يتناسب مع إمكانات قدرته .
وهذه الإمكانات لا نستطيع نحن التعبير عنها ؛ لأن ألفاظ اللغة لا تستطيع التعبير عنها ، ومعلوم أن الإنسان لا يضع الاسم إلا إذا وُجد المسمى والمعنى أولاً ؛ لذلك قال تعالى في التعبير عن هذا النعيم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ . .} [السجدة: 17]