وهذا اعتراف منهم بما يدل على التوحيد وبطلان الشرك ، ولهذا قال: {قُلِ الحمد لِلَّهِ} أي قل يا محمد: الحمد لله على اعترافكم ، فكيف تعبدون غيره ، وتجعلونه شريكاً له؟ أو المعنى: فقل: الحمد لله على ما هدانا له من دينه ، ولا حمد لغيره ، ثم أضرب عن ذلك فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا ينظرون ولا يتدبرون حتى يعلموا أن خالق هذه الأشياء هو الذي تجب له العبادة دون غيره.
{للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} ملكاً ، وخلقاً فلا يستحق العبادة غيره {إِنَّ الله هُوَ الغني} عن غيره {الحميد} أي المستحق للحمد أو المحمود من عباده بلسان المقال أو بلسان الحال.
ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض أتبعه بما يدلّ على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عدد ، ولا يحصر بحدّ فقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} أي لو أن جميع ما في الأرض من الشجر أقلام.
ووحد الشجرة لما تقرّر في علم المعاني: أن استغراق المفرد أشمل ، فكأنه قال: كل شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت أقلاماً ، وجمع الأقلام لقصد التكثير ، أي لو أن يعدّ كل شجرة من الشجر أقلاماً.
قال أبو حيان: وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة كقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} [البقرة: 106] ، ثم قال سبحانه: {والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} أي يمدّه من بعد نفاده سبعة أبحر.
قرأ الجمهور: {والبحر} بالرفع على أنه مبتدأ ، و {يمدّه} خبره ، والجملة في محل الحال ، أي والحال أن البحر المحيط مع سعته يمدّه السبعة الأبحر مدّاً لا ينقطع ، كذا قال سيبويه.
وقال المبرد: إن البحر مرتفع بفعل مقدّر تقديره: ولو ثبت البحر حال كونه تمدّه من بعده سبعة أبحر.
وقيل: هو مرتفع بالعطف على أن وما في حيزها.