{وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله} أي يفوّض إليه أمره ، ويخلص له عبادته ويقبل عليه بكليته {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في أعماله ؛ لأن العبادة من غير إحسان لها ولا معرفة بما يحتاج إليه فيها ، لا تقع بالموقع الذي تقع به عبادة المحسنين.
وقد صح عن الصادق المصدوق لما سأله جبريل عن الإحسان أنه قال له:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} أي اعتصم بالعهد الأوثق وتعلق به ، وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى الله بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل ، فتمسك بأوثق عرى حبل متدلّ منه {وإلى الله عاقبة الأمور} أي مصيرها إليه لا إلى غيره.
وقرأ عليّ بن أبي طالب والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار:"ومن يسلم"بالتشديد ، قال النحاس: والتخفيف في هذا أعرف كما قال عزّ وجلّ: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ} [آل عمران: 20] {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} أي لا تحزن لذلك ، فإن كفره لا يضرك ، بيّن سبحانه حال الكافرين بعد فراغه من بيان حال المؤمنين ، ثم توعدهم بقوله: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ} أي نخبرهم بقبائح أعمالهم ، ونجازيهم عليها {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي بما تسرّه صدورهم لا تخفى عليه من ذلك خافية.
فالسرّ عنده كالعلانية.
{نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً} أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها.
فإن النعيم الزائل هو أقل قليل بالنسبة إلى النعيم الدائم.
وانتصاب {قليلاً} على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي تمتيعاً قليلاً: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي نلجئهم إلى عذاب النار.
فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به ، فلهذا استعير له الغلظ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} أي يعترفون بالله خالق ذلك لوضوح الأمر فيه عندهم.