ولما بان بهذا التدبير المحكم ، في هذا الأعظم ، شمول علمه وتمام قدرته ، عطف على"أن الله"قوله مؤكداً لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها: {وأن الله} أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها ، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة ، وعم الخطاب بياناً لما قبله وترغيباً وترهيباً فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت على سبيل التجدد {خبير} لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه ، لأنه الخالق له كله دقه وجله ، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه ، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلاً ، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور العباد ، فكان ما قاله كما قاله ، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله ، فتمت كلماته ، وصدقت إشاراته وعباراته ، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر ، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون ، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائماً ما تعاقب الملوان ، وبقي الزمان ، لا يشغله شأن منه على شأن ، وقد كان الصحابة - رضي الله عنه - م لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به.
لما ذكر من دليله ، ولما شاهدوا من إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين ، منهم البعيد جداً والمتوسط والقريب ، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك ، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية بالخطاب - صلى الله عليه وسلم - ، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى ، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة.