أوصى الله تعالى بالوالدين إحسانا، وأمر ببرهما وطاعتهما والإحسان إليهما، وخص (الأم) بمزيد من العناية والاهتمام، فجعل حقها أعظم من حق الأب، لما تحملته من شدائد وأهوال تجاه طفلها الوليد، ولما قاسته من آلام في سبيل تربيته وحياته. فمن أحق بالعناية والرعاية من الأم؟! الأم التي حنت عليه فغذته بلبانها، وغمرته بحنانها، وآثرته على نفسها وراحتها فشقيت من أجل سعادته، وتعبت من أجل راحته، وتحملت الأثقال والآلام في سبيل أن ترى وليدها زهرة يانعة، تعيش بين أزهار الربيع، فكم من ليلة سهرت من أجل راحته، لتطرد عنه شبح الخوف، أو تزيل عنه ألم المرض، وكم من ساعة قضتها بين جدران البيت تحمله على يديها، متعبة مثقلة لتواسيه في وقت شدته ومحنته ... فهل يليق بعد كل هذا أن يسلك طريق العقوق، أو يجنح إلى الإساءة والعصيان؟!
فحق الأم على ولدها عظيم، وفضلها عليه كبير وجسيم، إذ هي السبب المباشر في حياة هذا الطفل بعد الله عز وجل، فلولا رعايتها وحنانها، ولولا تحملها المتاعب والآلام، لما تربى وليد، ولا عاش إنسان!!
وقد أمر الله تعالى بشكر الوالدين، وطاعتهما وبرهما حتى ولو كانا (مشركين) ، ولكنه جل ثناؤه حذر من اتباعهما ومسايرتهما في أمر الكفر والإشراك {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل. . فطاعتهما مشروطة بطاعة الله، وفي الحدود التي يقرها الشرع الحنيف، ولا يكون فيها تضييع لحق الخالق، أو حق المخلوق، فشكر الوالدين من شكر الله، وطاعتهما - فيما ليس فيه معصية - من طاعة الله!! وصدق الله حيث يقول: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . انتهى انتهى. {روائع البيان حـ 2 صـ 235 - 248}