وأيضاً من حكمته تعالى في وَضْع الجنين في بطن أمه عند الولادة أنْ ينزل برأسه ، وهذا هو الوضع الطبيعي لولادة طفل سليم ؛ لأن أول ضروريات الحياة للطفل ساعةَ ينفصل عن أمه أنْ يتنفس ، فإذا نزل برأسه - وهذا الوضع يحاول أطباء الولادة التأكد منه - استطاع التنفس حتى وإنْ تعسر نزول باقي جسمه ، أمّا إنْ نزل الطفل بعكس هذا الوضع فإنه يختنق ويموت قبل أنْ يتم نزوله .
ثم يقول سبحانه: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ . .} [لقمان: 14] الفصال: أي الانفصال عن الأم في مسألة الرضاعة ، ومنه: يسمون ولد الناقة الذي استغنى عن لبنها: الفصيل أي الذي فُصِل عن أمه ، وأصبح قادراً على أنْ يأكل ، وأن يعيش دون مساعدتها ، وحتى عملية فصال الولد عن أمه فيها مشقة وألم للأم .
أما العملية الجنسية التي أثمرتْ الولد فكانت شركة بينهما ، وبذلك لا بُدَّ أن نعترف أن للأم الدور الأكبر وعليها العبء الأكبر في مسألة الأولاد ؛ لذلك كان لها الحظ الأفر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي سأله: مَنْ أحق الناس بحُسْن صحابتي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك ، فأعطى كلاً منهما على قدر ما قدَّم .
ومسألة الفصال هذه شُرحت في آيات أخرى ، ففي سورة البقرة: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ...} [البقرة: 233] وهذه تؤكد {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]
وفي آية أخرى تجمع الحمل والرضاعة معاً: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ...} [الأحقاف: 15] وبخصم العامين من الثلاثين شهراً يكون الباقي ستة أشهر ، وهي أقلّ مدة للحمل .