قيل خلق الأبدان عَلَى ما قيل لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي
عام فغير مفيد؛ إذ النفوس الفاضلة عبارة عن كونها متحلية بأنواع كمال الكسب حين
تعلقها وحلولها بالبدن، ولا ريب في عدم تحقق ذلك الْكَمَال. قيل تعلق البدن عَلَى أنه
خبر آحاد لا يفيد اليقين، وكذا الْكَلَام في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ الأرواح جنود مجندة فما
تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فيفيد الظن عَلَى أن قَوْلُه تَعَالَى:(ثم أنشأناه
خلقًا آخر)يدل ولو ظنًا عَلَى حدوثها مع البدن.
قوله: (وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة) أي قَالُوا إنها مجردات عن المواد وعن
النفوس البشرية وهي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك. والحاصل أنها
غير متحيزة ولا أجسام مركبة من المواد. ونقل البعض بقوله وقيل تركيب الأنواع الثلاثة
من امتزاج العناصر إلا أن الغالب في كل واحد ما ذكر ولكون النَّار والهواء في غاية اللطافة
كانت الْمَلَائكَة والجن والشَّيَاطين بحَيْثُ يدخلون المنافذ المضايق حتى أجواف الْإنْسَان ولا
يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي يغلب عليها الْأَرْضية والمائية
جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الْإنْسَان وغيره من الحيوانات. ظاهره لا يلائم قوله
تَعَالَى: (إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبيلُهُ منْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الآية فلا تعقل قوله
(مخالفة للنفوس الناطقة) قيد بها احترازًا عن النفوس الفلكية فإنها من جملتهم كما سلف
(في الْحَقيقَة) أي بالماهية؛ إذ النفوس الناطقة وإن كانت مجردة وليست بجسم ولا قوة
جسمانية لكنها متوقفة في كمالها عَلَى تعلقها بالبدن، بخلاف العقول العشرة والنفوس فإنها
ليست لها حالة منتظرة، وتغاير الخواص واللوازم يدل عَلَى تغاير الملزوم.
قوله: (منقسمة إلَى قسمين: قسم شأنهم الاسْتغْرَاق في معرفة الحق [جل جلاله] والتنزه عن
الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تَعَالَى: (يُسَبّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ) .
قال تَعَالَى حكاية عنهم (وَما منَّا إلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) في المعرفة والْعبَادَة
قوله: (وهم العليون والْمَلَائكَة المقربون. وقسم يُدَبّرُ الأمر منَ السماء إلَى الْأَرْض عَلَى ما
سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وهم
المدبرات أمرًا، فمنهم سماوية، ومنهم أرضية، عَلَى تفصيل أثبته في كتاب الطوالع) فعلم منه
أن تلك الْمَلَائكَة متفاونون في تلك المراتب لا يتجاوزونها. قد مَرَّ تفصيل العليين في تعداد
مراتب الجنة وهم حملة العرش ومن حوله. قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى(الَّذينَ
يَحْملُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)الكروبيون أعلى طبقات الْمَلَائكَة وأولهم وجودا
ولهذا قال و (الْمَلَائكَة المقربون) قربًا معنويًا. والكروبيون سادات الْمَلَائكَة
كجبرائيل وإسرافيل وهم المقربون، وجبْريل رئيس الكروبيين. صرح به في سورة التحريم من
كرب إذا قرب. وقال ابن مكتوم في تذكرته كربه بفتح الكاف وتخفيف الراء وكذا صرح به
قدس سره في شرح المواقف في قبيل الإلهيات بتخفيف الباء.