قوله: (والمقول له الْمَلَائكَة كلهم) علويون وملائكة الْأَرْض (لعموم اللَّفْظ) لأن
الْمَلَائكَة جمع محلى باللام ولا قرينة للعهد، فيعم جميع الأفراد (وعدم المخصص) وكون
الْكَلَام في خلافة الْأَرْض لا يكون مخصصًا؛ إذ لا يلزم من كون آدم خَليفَة منهم كون هذا
الخطاب خطابًا لهم، والقرينة عدم ذكر منكم، ولو كان الخطاب مختصًا بهم لقيل إني جاعل
في الْأَرْض خَليفَة منكم (وقيل ملائكة الْأَرْض) بقرينة كون الْأَرْض في خلافة الْأَرْض وقد
عرفت ما فيه.
قوله:(وقيل إبليس ومن كان معه من الْمَلَائكَة في محاربة الجن، فإنه تَعَالَى أسكنهم
في الْأَرْض أولًا فأفسدوا فيها، فبعث إليهم إبليس في جند من الْمَلَائكَة)قال صاحب آكام
المرجان في أحكام الجان: روي أن اللَّه تَعَالَى خلق الجن وأمرهم بعمارة الْأَرْض فكانوا
يعبدون الله تَعَالَى حتى طال عليهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدماء، وكان فيهم ملك يقال له
يُوسُف فقتلوه، وفي مَوْضع آخر قتلوا نبيًا يقال له يُوسُف، فأرسل الله عليهم جندًا من الْمَلَائكَة
كانوا في سماء الدُّنْيَا كان يقال لذلك الجند الجن فيهم إبليس، وهو عَلَى أربعة آلاف فهبطوا
فنفوا بني الجان من الْأَرْض وأجلوهم عنها وألحقوهم بجزائر البحر وسكن إبليس والجند
الذي كانوا معه في الْأَرْض فهان عليهم العمل وأحبوا المكث فيها. قال بعضهم [إن] إبليس
وجنوده أقاموا في الْأَرْض قبل خلق آدم أربعين سنة، وإن الجن عمروا الْأَرْض ألفي سنة
وقيل أربعين سنة انتهى. ولما كان إبليس رئيسًا. قال الْمُصَنّف(قدمرهم وفرقهم في الجزائر
والجبال)اكتفاء بالأصل وحين كان الإجلاء والتفريق واقعًا منهم. قال صاحب الآكام
وأجلوهم وألحقوهم أي بجزائر البحر، فالإسناد في كلامه حَقيقَة، وفي كلام الْمُصَنّف مجاز.
قوله: (وجاعل من جعل الذي له مَفْعُولان) أي بمعنى صير كما مَرَّ بَيَانُهُ في قوله
تَعَالَى: (الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فرَاشًا) الآية. (وهما) أي مَفْعُولاه(في
الْأَرْض)و (خَليفَة) أولهما خَليفَة وثانيهما الظَّرْف المقدم. والْمَعْنَى إني جاعل ومصير خَليفَة
عظيم الشأن كائنًا في الْأَرْض، فإن الْمَفْعُول في الْحَقيقَة هُوَ العامل المقدر وهو كائنًا هنا
وهذا الْمَعْنَى بناء عَلَى أن المخاطبين وهم الْمَلَائكَة عالمون بوجود الخَليفَة غير عالمين
بمحل خلافته فحِينَئِذٍ محط الفَائدَة الْإخْبَار بأن محل الخَليفَة الْأَرْض فيحسن كون خَليفَة
مَفْعُولًا أولًا، وفي الْأَرْض مَفْعُولًا ثانيًا وإن سلم كونهم عالمين بمحل خلافته لكنهم
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: (والمقول له الْمَلَائكَة كلهم. والمقول له مبتدأ خبره الْمَلَائكَة، وكلهم تأكيد أي الَّذينَ قال
لهم الله تَعَالَى: (إني جاعل في الْأَرْض خَليفَة) الْمَلَائكَة كلهم.
قوله: وقيل إبليس ومن معه. عطف عَلَى الْمَلَائكَة كلهم. أي وفي ليس المقول له جميع
الْمَلَائكَة بل إبليس ومن كان معه من الْمَلَائكَة في محاربة الجن، فيكون إرادته معهم بلفظ الْمَلَائكَة
على طريق التَغْليب.
قوله: وهما: في الْأَرْض خَليفَة. أول المَفْعُولَيْن خَليفَة، والثاني في الْأَرْض. عمل اسم الْفَاعل
فيهما لاعتماده عَلَى المسند إليه وهو اسم إن ومعناه إني مصير في الْأَرْض خَليفَة.