واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام رسوله كلام فِي وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال فِي بعض خطبه: ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطواراً من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لايتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة فِي الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 148 - 152}
[فائدة]
قال القرطبي:
قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} "جاعل"هنا بمعنى خالق؛ ذكره الطبري عن أبي رَوْق، ويقضي بذلك تعدّيها إلى مفعول واحد، وقد تقدّم.
والأرض قيل: إنها مكة.
روى ابن سابط عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"دُحِيَت الأرض من مكة"ولذلك سُمِّيت أمّ القرى،"قال: وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والرّكن والمقام"، و"خليفة"يكون بمعنى فاعل؛ أي يخلف من كان قبله من الملائكة فِي الأرض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما رُويَ.
ويجوز أن يكون"خليفة"بمعنى مفعول أي مخلف؛ كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة.
والخَلَف (بالتحريك) من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين؛ هذا هو المعروف، وسيأتي له مزيد بيان فِي"الأعراف"إن شاء الله.
و"خليفة"بالفاء قراءة الجماعة؛ إلا ما رُوِيَ عن زيد بن عليّ فإنه قرأ"خليقة"بالقاف.