وهو يقرأ: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» .. فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ، غافلة عن المقبض المكين .. وهذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير.
وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها. حقيقة تولي الله - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون. وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياء الله، ومصير رعيب بشع لأعداء الله الغافلين، المتروكين في عماهم يخبطون، المخدوعين بمد الله لهم في طغيانهم، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم، والمصير الرعيب ينتظرهم هنالك، وهم غافلون يعمهون! 16 - والكلمة الأخيرة التي تصور حقيقة حالهم، ومدى خسرانهم:
«أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» .. فلقد كانوا يملكون الهدى لو أرادوا. كان الهدى مبذولا لهم. كان في أيديهم. ولكنهم «اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى» ، كأغفل ما يكون المتجرون:
«فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» ..
17 -ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية ..
ذلك أن كلاًّ من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء، وفيه بساطة على معنى من المعاني ..
الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها، والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها. أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقة. وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات، ومزيد من الخطوط كما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة ..
على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة، ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم.
وزيادة في الإيضاح، يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة. ويكشف عن طبيعتها، وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحا: