{إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} كالعلة له أي ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عما لا يرضيه سبحانه وتعالى سواء كانوا من الأشرفين أو الأرذلين فكيف يتسنى لي طرد من زعمتم أنهم أرذلون.
وحاصله أنا مقصور على إنذار المكلفين لا أتعداه إلى طرد الأرذلين منهم أو ما علي إلا إنذاركم بالبرهان الواضح وقد فعلته وما علي استرضاء بعضكم بطرد الآخرين ، وحاصله أنا مقصور على إنذاركم لا أتعداه إلى استرضائكم.
وقيل: إن مجموع الجملتين جواب وإن إيلاء الضمير حرف النفي يدل على أنهم زعموا أنه عليه السلام موصوف بصفتين ، إحداهما: اتباع أهوائهم بطرد المؤمنين لأجل أن يؤمنوا ، وثانيتهما: أنه نذير مبين فقصر الحكم على الثاني دون الأول ولا يخلو عن بحث.
{قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا لوط نُوحٌ} عما أنت عليه {لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين} أي المرميين بالحجارة كما روي عن قتادة ، وهو توعد بالقتل كما روي عن الحسن ، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن المعنى من المشتومين على أن الرجم مستعار للشتم كالطعن ، وفي إرشاد العقل السليم أنهم قاتلهم الله تعالى قالوا ذلك في أواخر الأمر ، ومعنى قوله تعالى:
{قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ} استمروا على تكذيبي وأصروا عليه بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم يزدهم دعائي إلا فراراً.
وهذا ليس بإخبار بالاستمرار على التكذيب لعلمه عليه السلام أن عالم الغيب والشهادة أعلم ولكنه أراد إظهار ما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم به في قولهم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط نُوحٌ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين} [الشعراء: 116] تلطفاً في فتح باب الإجابة ، وقيل: لدفع توهم الخلق فيه المتجاوز أو الحدة ، وقيل: إنه خبر لم يقصد منه الإعلام أصلاً وإنما أورد لغرض التحزن والتفجع كما في قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي...
فلئن رميت يصيبني سهمي