والجواب بما ذكر عما أشاروا إليه بقولهم ذلك من أن إيمانهم لم يكن عن نظر وبصيرة وإنما كان لحيظ نفساني كحصول شوكة بالاجتماع ينتظمون بها في سلك ذوي الشرف ويعدون بها في عدادهم ، وحاصله وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر دون الشق عن القلوب والتفتيش عما في السرائر فما يضرني عدم إخلاصهم في إيمانهم كما تزعمون ؛ وجوز أن يقال: إنهم لما قالوا: {واتبعك الارذلون} [الشعراء: 111] وعنوا الذين لا نصيب لهم من الدنيا أو الذين اتضعت أنسابهم أو كانوا من أهل الصنائع الدنيئة تغابى عليه السلام عن مرادهم وخيل لهم أنهم عنوا بالأرذلين من لا إخلاص له في العمل ولم يؤمن عن نظر وبصيرة فأجابهم بما ذكر كأنه ما عرف من الأرذلين إلا ذلك ، ولو جعل هذا نوعاً من الأسلوب الحكيم لم يبعد عندي ، وفيه من لطف الرد عليهم وتقبيح ما هم عليه ما لا يخفى ، وزعم بعضهم أنهم عنوا بالأرذلين نساءه عليه السلام وبنيه وكناته وبنى بنيه واسترذالهم لعضة النسب لا يتصور في جميعهم حقيقة كما لا يخفى فلا بد عليه من اعتبار التغليب ونحوه ، وقرأ الأعرج.
وأبو زرعة.
وعيسى بن عمر الهمداني {يَشْعُرُونَ} بياء الغيبة وقوله تعالى:
{وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين} جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك حيث جعلوا اتباعهم ماناً عنه ، وقد نزلوا لذلك منزلة من يدعي أنه عليه السلام ممن يطرد المؤمنين وأنه ممن يشترك معه فيه فقدم المسند إليه وأولي حرف النفي لإفادة أن ذلك ليس شأنه بل شأن المخاطبين.
وجوز أن يكون التقديم للتقوى وهو أقل مؤنة كما لا يخفى ، وقيل: إنهم طلبوا منه عليه السلام طردهم فأجابهم بذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد من آمن به من الضعفاء فنزلت {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الأنعام: 52] الآية ، وقوله تعالى: