وقال: (إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء] .
وقال: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) [الشورى] .
فتقديم الصلاة ههنا أهم وأهم.
وقال بعدها: (والذين هم عن اللغو معرضون)
اللغو:"السقط، وما لا يعتد به من كلام، وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع وفي (الكشاف) "إن: اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه"."
وقال الزجاج:"اللغو: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل."
وقال الحسن: إنه المعاصي كلها.
فاللغو جماع لمل ينبغي اطّراحه من قول وفعل. ووضع هذه الصفة يجنب الخشوع في الصلاة ألطف شيء وأبدعه، فإن الخاشع القلب الساكن الجوارح أبعد الناس عن اللغو والباطل. إذ الذي أخلى قلبه لله وأسكن جوارحه، وتطامن وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما توجب المروءة اطّراحه.
جاء في (الكشاف) :"لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف"ويعني بالفعل الخشوع، وبالترك الإعراض عن اللغو.
والحق إن الخشوع أمر يجمع بين الفعل والترك، ففيه من الفعل جمع الهمة وتذللك القلب وإلزامه التدبر والخشية، وفيه من الترك السكون وعدم الإلتفات وغض البصر وما إلى ذلك.
جاء في (التفسير الكبير) :"فالخاشع في صلاته، لا بد وأن يحصل له م ما يتعلق بالقلب نهاية الخضوع والتذلل للمعبود. ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم. ومما يتعلق بالجوارح، أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً وشمالاً"
وما بعده من الصفات المذكورة موزعة بين الفعل والترك، أو مشتركة فيهما كما هو ظاهر.
ولوضع هذه الصفة - أعني الإعراض عن اللغو - بجنب الخشوع له دلالة أخرى، فإن السورة كما شاع فيها جو الخشوع، كما أسلفنا فإنها شاع فيها أيضاً جو الترك والإعراض، وذم اللغو بأشكاله المختلفة.
فمن ذلك أنه قال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) والعمل الصالح مناقض للغو وعمل الباطل.
وقال: (فذرهم في غمرتهم حتى حين) ،والغمرة هي ما هم فيه من لغو وباطل.
وقال: (أولئك يسارعون في الخيرات هم لها سابقون) والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه. و (الخيرات) ضد اللغو والباطل.