قال: ثم إنه تعالى اصطفى من ذريته يعني آدم أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه واجتالهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأنباء، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه.
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ(60)
فالمعنى في الآية والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القرب الخالصة لوجه الله تعالى: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)
أي خائفة من أن ترد عليهم صدقاتهم فحذف قوله ويخافون أن ترد عليهم هذه النفقات، ودل عليه بقوله: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)
فظاهر الآية أنهم وجلون من الصدقة وليس وجلهم لأجل الصدقة، وإنما وجلهم لأجل خوف الرد المتصل بالصدقة.
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً(115)
(التنبيه الأول في أن التعريض ليس معدودا من باب المجاز)
وبيانه هو أن المجاز ما دل على خلاف ما وضع له في الأصل، والتعريض ليس حاله هكذا، فإنه دال على ما كان دالا عليه في الأصل، خلا أنه أفاد معنى آخر بالقرينة، ومثاله قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) فهذا استفهام ورد على جهة الإنكار، وهو مجاز فيه، وهو دال على ما وضع له، لكنه تعريض بالكفار في إنكار الرجعة، والمعاد الأخروي، وليس دالا عليه من جهة مجازه، ولا من جهة حقيقته، وإنما هو مفهوم من جهة القرينة، كما قررناه من قبل. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...