124 - {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} ؛ أي: عن الكتاب الذاكر لي، والرسول الداعي إلى، والذكر يقع على القرآن وغيره من كتب الله تعالى {فَإِنَّ لَهُ} في هذه الدنيا {مَعِيشَةً ضَنْكًا} ؛ أي: معيشةً ضيقةً، لما يكون فيه من القلق والحرص على الدنيا، والتهالك على ازديادها، والخوف من انتقاصها، فترى الشح غالبًا عليه، والبخل راسخاً في أعراقه، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، مع أنه قد يضيِّق الله عليه بشؤم الكفر، ويوسع بركة الإيمان, وقرئ {ضنكى} بضم الضاد على وزن فعلى، وقرأ الحسن {ضنكى} بألف التأنيث بلا تنوين، وبالإمالة على وزن فعلى كسكرى، وقرأ الجمهور {ضَنْكًا} بالتنوين وفتح الكاف فتحة إعراب.
ومعنى الآية: أن الله عز وجل، جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه، أن يعيش في الدنيا عيشًا هنيئًا، غير مهموم ولا مغموم، ولا متعبٍ نفسه، كما قال سبحانه {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وجعل لمن أَتبع هواه وأعرض عن دينه، أن يعيش عيشًا ضيقًا في تعب ونصب، مع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر نصبًا، وذلك معنى قوله: {وَنَحْشُرُهُ} ؛ أي: المُعْرِض؛ أي: نبعثه {يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ؛ أي: فاقد البصر، وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدى إلى شيء منها، أو جاهلًا بوجود الحق، كما كان جاهلًا في الدنيا؛ أي: فإذا خرج هو من القبر .. خرج بصيرًا. فإذا سيق إلى المحشر .. عَمَى، فإذا دخل النار .. زال عماه، ليرى محله وحاله.
وقرأ الجمهور: {وَنَحْشُرُهُ} بالنون، وفرقة منهم أبان بن تغلب: بسكون الراء، فيجوز أن يكون تخفيفًا، ويجوز أن يكون جزمًا بالعطف على موضع {فإن له معيشة ضنكا} لأنه جواب الشرط، وقرأت فرقة {ويحشره} بالياء، وقرى {ويحشره} بسكون الهاء على لفظ الوقف.
وقصارى ذلك: أن الله سبحانه، جعل لمن اتبع هداه، وتمسك بدينه العيش الهنيء، الذي لا هم فيه ولا غم، وجعل لمن أعرض عن دينه التعب والنصب، وهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر ألمًا