123 - {قَالَ} ؛ أي: قال الرب الذي انتهكت حرمة داره، وخولف أمره لآدم وحواء، بعد صدور الزلة منهما: {اهْبِطَا مِنْهَا} ؛ أي: انزلا من الجنة إلى الأرض، حالة كونكما {جَمِيعًا} ؛ أي: مجتمعين في الهبوط، وهذا خطاب العتاب واللوم في الصورة، وخطاب التكميل والتشريف في المعنى، يقال: هبط هبوطًا: إذا نزل من علو إلى سفل، وخصهما بالهبوط لأنهما أصل البشر، ثم عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ؛ أي: حالة كونه بعض ذريتكما متعادين لبعض في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب، والتحاسد والتباغض، وجمع الخطاب باعتبار أنهما أصل الذرية، ومآله بعضكم يا ذرية آدم عدو لبعض، أو المعنى: انزلا من الجنة إلى الأرض، أنتما عدو لإبليس وذريته، وإبليس عدوكما وعدو ذريتكما.
وفي"التأويلات النجمية": يشير إلى أنه جعل فيما بينهم العداوة، لئلا يكون لهم حبيب إلا هو، كما قال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام -: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) } ولما اختص آدم منهم بالاجتباء والاصطفاء، وأهبطه إلى الأرض معهم للابتلاء .. وعده بالاهتداء فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} ؛ أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم وحواء {مِنِّي هُدًى} ؛ أي: هادٍ من كتاب ورسول، والأصل: فإن يأتكم و {ما} : مزيدة لتأكيد معنى الشرط و {ما} هذه مثل لام القسم في دخول النون المؤكدة معها، وإنما جيء بكلمة الشك، وهي {إن} الشرطية إيذانًا بأن إتيان الهدى بطريق الكتاب والرسول، ليس بقطعي الوقوع، وأنه تعالى إن شاء .. هدى وإن شاء .. ترك، لا يجب عليه شيء، ولك أن تقول: إتيان الكتاب والرسول لما لم يكن لازم التحقق والوقوع أبرز في معرض الشك، وأكد حرف الشرط والفعل بالنون، دلالةً على رجحان جهة الوقوع والتحقق.
{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} ؛ أي: فمن آمن بالكتاب، وصدق بالرسول {فَلَا يَضِلُّ} في الدنيا عن طريق الدين القويم ما دام حيًا {وَلَا يَشْقَى} ؛ أي: لا يذل في الآخرة بالعذاب الدائم