{فَسَجَدُوا} ؛ أي: فسجد الملائكة كلهم أجمعون تعظيمًا لأمر ربهم، وامتثالًا له {إِلَّا إِبْلِيسَ} فإنه لم يسجد، ولم يطرح أردية الكبر، ولم يخفض جناحه، يقال: أبلس إذا تحير، ومنه إبليس، أو هو أعجمي كما في"القاموس"وقوله: {أَبَى} استئناف بياني، كأنه قيل: ما باله لم يسجد فقيل: أبى السجود وامتنع منه، قال في"المفردات"الإباء شدة الامتناع، فكل إباءٍ امتناع، وليس كل امتناع إباء.
المعنى: أي اذكر أيها الرسول الكريم: ما وقع في ذلك منا ومن آدم، حتى يستبين لك نسيانه وفقدان عزمه، إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فلبوا الأمر، إلا إبليس فإنه امتنع وأبى أن يكون مع الساجدين، وقد تقدم ذكر هذا القصص في سورة البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وسيأتي ذكره في سورة ص، وفيه إشارة إلى تكريم آدم وتفضيله على كثير ممن خلق.
117 - {فَقُلْنَا} له عقيب ذلك، اعتناءً بنصحه وإرشاده {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا} الحقير الذي رأيت منه ما رأيت من التكبر {عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} حواء، ومن ثم لم يسجد لك، وخالف أمري وعصاني، فلا تطيعاه فيما يأمركما به، والزوج: اسم للمفرد، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه، ذكرًا كان أو أنثى، ولعداوته وجوه:
الأول: أنه كان حسودًا له، فلما رأى نعم الله على آدم .. حسده فصار عدوًا له، وفيه إشارة إلى أن كل من حسد أحدًا يكون عدوًا، ويريد هلاكه ويسعى في إفساد حاله.
والثاني: أنه كان شابًا عالمًا، وإبليس شيخاً جاهلًا؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وأنه جاهل، والشيخ الجاهل يكون أبدًا عدو الشاب العالم.
الثالث: أنه مخلوق من النار، وآدم من الماء والتراب، وبين أصليهما عداوة فبقيت العداوة بينهما {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ} ؛ أي: فلا يكونن إبليس سببًا لإخراجكما من الجنة، فهو من قبيل إسناد الفعل إلى سببه، وإلا فالمخرج حقيقةً هو الله سبحانه وتعالى، وظاهره: وإن كان نهى إبليس عن الإخراج، إلا أن المراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان في إخراجهما منها بالطريق البرهاني {فَتَشْقَى} ؛ أي: فتتعبا بمتاعب الدنيا، التي لا تكاد تحصى، فهو جواب النهي.