إنه عند ما يترك الخلق دين الله يصبح بعضهم لبعض عدوا، ويصبح الإنسان لنفسه عدوا؛ إذ يتناقض مع فطرته، وفي ذلك الشقاء الحقيقي، إن دين الله هو الذي يجعل الإنسان صديقا مع نفسه، وهو الذي يوجد صيغة للتعايش المريح بين الخلق، ومن ثم نلاحظ أن التشريعات الإسلامية منصبة على إبعاد المؤمنين عن كل خلاف، إن تحريم الغيبة والنميمة، وتحريم بيع الغرر، وتحريم الخمر والميسر، وتحريم الربا، كل ذلك وغيره يهدف إلى قطع الخصومات والمنازعات بين الناس.
إنه مهما ظن ظان أن سعادته فيما حرم الله عليه فهو مخطئ، سواء كان هذا المحرم موسيقى أو زنى أو خمرا أو غيبة أو نميمة أو غير ذلك، إن اللذة لا تعني السعادة، واذا عنت السعادة الآنية فإنها تعني الشقاء المضاعف البعيد. خذ مثلا: إن الأمة التي تميل إلى الترف والاسترخاء عند ما تغلب على أمرها فإن آلامها التي تنالها عند الغلبة أكبر بكثير من لذاتها التي أصابتها قبل ذلك فهل كان في الترف والاسترخاء سعادة؟! وهل الموسيقى - وهي عامل من عوامل استرخاء النفس البشرية مثلا - تشكل سعادة حقيقة للإنسان؟ اللهم لا.
في الفصل الرابع من كتاب (الإسلام) من سلسلة الأصول الثلاثة كلام عن العقوبات الفطرية التي تترتب على كل مخالفة يفعلها إنسان أو تفعلها مجموعة، أو ترتكبها الإنسانية، وفي ذلك الفصل دليل كامل على أن الشقاء ملازم للإعراض عن وحي الله، وأن السعادة الحقيقية في ملازمة دين الله، هذا كله إذا نظرنا إلى المسألة في إطار الدنيا، ولكن عند ما ننظر إلى المسألة في إطارها العام، دنيا وأخرى، يتضح
بشكل قاطع أن السعادة في ملازمة شرع الله، حتى لو أن إنسانا قرض جسمه بالمقاريض من أول هذه الدنيا إلى آخرها لكان هذا عارضا بالنسبة إلى السعادة الحقيقية
للإنسان في الآخرة.