(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) الضنك: الضيق، يقال: منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، ومعيشة ضنك أي ضيقة، ويستوي فيه الذكر والأنثى والجمع والمثنى فهو وصف لَا يتغير بتغير الموصوف.
وهنا أمران يحتاجان إلى بعض البيان، أولهما: أنه عبر هنا عن المرشد بـ (ذِكْرِي) والجواب أن هذا من إضافة المصدر لفاعله فهو تذكير من الله لعبيده، أو باعتبار أن الرسول مبشر ومذكر ومنذر فقط، وأن من ذكر بالهدى له ثوابه إن اهتدى، وإن لم يهتد فعليه إثمه.
ثانيهما: كيف توصف معيشة العاصي في الحياة بأنها معيشة ضنك، مع أنه قد يكون في بحبوحة من العيش وفي رغد دنيوي يفاخر به، ويقول مفاخرا: (. . .(أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) ، فكيف يوصف بأنه في معيشة ضنك؟ والجواب عن ذلك أن الضيق لَا يكون من قلَّة المال فقط، بل يكون في غير ذلك؛ لأن من أعرض عن الهدى، وعن ذكر الله لا يكون في قناعة راضية، بل يكون في طمع مستمر، إذا كان عنده مال وفير استقله فلهب في كثيره، ويزيد وجاهة الدنيا وسلطان الحياة، فيكون في ضيق بحياته، فإن حرم ظنها الكارثة، وهكذا هو يحس بالطلب الدائم، ووراء الطلب الإحساس بالضيق. وتعجبني في ذلك كلمة قرأتها في تفسير القرطبي، فقد قال:"ومعنى ذلك أن الله تعالى جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل عليه، فصاحبه ينفق مما رزقه الله عز وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا، كما قال تعالى: (. . . فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. . .) ، والمُعرض عن الدين مستولٍ عليه الحرص، الذي لَا يزال يطمع به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لَا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم وقته، وتشوش عليه رزقه".