يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، قَالَ اللَّهُ حِينَئِذٍ لِلْقَائِلِ لَهُ: {لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ، فَحَشَرْتُكَ أَعْمَى كَمَا أَتَتْكَ آيَاتِي، وَهِيَ حُجَجُهُ وَأَدِلَّتُهُ وَبَيَانُهُ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ، فَنَسِيتَهَا: يَقُولُ: فَتَرَكْتُهَا وَأَعْرَضْتُ عَنْهَا، وَلَمْ تُؤْمِنْ بِهَا، وَلَمْ تَعْمَلْ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ {كَذَلِكَ أَتَتْكَ} هَكَذَا أَتَتْكَ.
وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}
يَقُولُ: فَكَمَا نَسِيتَ آيَاتِنَا فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكْتَهَا وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا، فَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نَنْسَاكَ، فَنَتْرُكُكَ فِي النَّارِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ: نَسِيَ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَمْ يَنْسَ مِنَ الشَّرِّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وَمُجَاهِدٌ، لِأَنَّ تَرْكَهُ إِيَّاهُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ الشَّرِّ لَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَكَذَا نَجْزِي: أَيْ نُثِيبُ مَنْ أَسْرَفَ فَعَصَى رَبَّهُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، فَنَجْعَلُ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا فِي الْبَرْزَخِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ.
{وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ لَهُمْ مِمَّا وَعَدْتَهُمْ فِي الْقَبْرِ مِنَ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ {وَأَبْقَى}
يَقُولُ: وَأَدْوَمُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِلَى غَيْرِ أَمَدٍّ وَلَا نِهَايَةَ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 16/}