يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَخَذَتِ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ مِنْ ثَمُودَ الرَّجْفَةُ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ، وَالرَّجْفَةُ: الْفَعْلَةُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَجَفَ بِفُلَانٍ كَذَا يَرْجُفُ رَجْفًا، وَذَلِكَ إِذَا حَرَّكَهُ وَزَعْزَعَهُ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر البسيط]
إِمَّا تَرَيْنِي حَنَانِي الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍ ... كَالنَّسْرِ أَرْجُفُ وَالْإِنْسَانُ مَهْدُودُ
وَإِنَّمَا عَنَى بِالرَّجْفَةِ هَهُنَا: الصَّيْحَةَ الَّتِي زَعْزَعَتْهُمْ وَحَرَّكَتْهُمْ لِلْهَلَاكِ، لِأَنَّ ثَمُودَ هَلَكَتْ بِالصَّيْحَةِ فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}
يَقُولُ: فَأَصْبَحَ الَّذِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ مِنْ ثَمُودَ فِي دَارِهِمْ، يَعْنِي فِي أَرْضِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيهَا وَبَلْدَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الدَّارَ وَلَمْ يَجْمَعْهَا فَيَقُولُ (فِي دُورِهِمْ) . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الدُّورَ، وَلَكِنْ وَجَّهَ بِالْوَاحِدَةِ إِلَى الْجَمْعِ، كَمَا قِيلَ: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} ، وَقَوْلُهُ: {جَاثِمِينَ}
يَعْنِي: سُقُوطًا صَرْعَى لَا يَتَحَرَّكُونَ لِأَنَّهُمْ لَا أَرْوَاحَ فِيهِمْ قَدْ هَلَكُوا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْبَارِكِ عَلَى الرُّكْبَةِ: جَاثِمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
[البحر الوافر]
عَرَفْتُ الْمُنْتَأَى وَعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا الْقِدْرِ كَالْحِدَإِ الْجُثُومِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَدْبَرَ صَالِحٌ عَنْهُمْ حِينَ اسْتَعْجَلُوهُ الْعَذَابَ وَعَقَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ خَارِجًا عَنْ أَرْضِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْحَى إِلَيْهِ: إِنِّي مُهْلِكُهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ.