إليه صاحب القسطنطينية لا يعلم ثمنه ولا يدري ما قيمته والشمع يحترق بين يديه وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه وهو ينظر في صحيفة في يده
فلما صرت بين يديه سلمت فرفع رأسه فنظر إلي وتبسم تبسم المغضب ثم رمي بالصحيفة وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه
فلما قعدت وأخذت مقعدي وسكن روعي رفعت رأسي أنظر تلقائي فإذا أنا بواقف عليه درع وبيده سيف قد شهره يلمع له ما حوله فالتفت عن يميني فإذا أنا بواقف بيده جرز من حديد ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع وبيده سيف قد شهره وهم أجمعون قد أصغوا إليه ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا
ثم التفت إلينا وقال أما بعد معشر الفقهاء فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم والأخذ بما يشبهكم وأولى الناس بلزوم الطاعة والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم
قال مالك فقلت يا أمير المؤمنين قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } الحجرات 6 فقال أبو جعفر على ذلكم أي الرجال أنا عندكم أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور فقال مالك فقالت يا أمير المؤمنين أنا متوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم وبقرابتك منه إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا
قال قد أعفاك أمير المؤمنين
ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له أيها القاضي ناشدتك الله تعالى أي الرجال أنا عندك فقال ابن سمعان أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين تحج بيت الله الحرام وتجاهد العدو وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي وبك قوام الدين فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة
ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له ناشدتك الله أي الرجال أنا عندك قال أنت والله عندي شر الرجال استأثرت بمال الله ورسوله وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوي وأمسكت أموالهم فما حجتك غدا بين يدي الله فقال له أبو جعفر ويحك ما تقول أتعقل انظر ما أمامك
قال نعم قد رأيت أسيافا وإنما هو الموت ولا بد منه عاجله خير من آجله
ثم خرجا وجلست قال إني لأجد رائحة الحنوط عليك
قلت أجل لما نمي إليك عني ما نمي وجاءني رسولك في الليل ظننته القتل فاغتسلت وتطيبت ولبست ثياب كفني
فقال أبو جعفر سبحان الله ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا بالله مما قلت يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشدا مهديا وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا ولا يعدل بك مخلوقا
فقلت إن بجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة وإن يخيرني أمير