أحدهما: أن الله سبحانه - خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله - سبحانه - يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى - عليه السلام - فإن الله سبحانه - لما قال له: (وَأَلْقِ عَصَاك) فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها، ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: (خُذْهَا وَلا تَخَفْ) فلف كم مدرعته على يده، ثم تناولها. فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكنى ضعيف، ومن ضعف خلقت. فإن موسى فعل هذه الفعال، وهو بحضرة الله - سبحانه - يسمع كلامه بغير واسطة،
وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره شك، فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله سبحانه.
الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس ها هنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا شك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه فيه، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله - سبحانه - كشف الأمور الملتبسة إن لم يقتض ثوابا، لم يقتض، عقابا.
ومن الدليل على أن العلامة مراده من سكوت زكريا ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:"من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها"؟
فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:"أنا جبريل الواقف بين يدي الله، وأرسلت لأبشرك بهذا."
وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي تتم في زمانها"."
فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب مطابقته للسؤال، وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها وزيادة العقوبة إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قال هي عصاي) هذا طبق السؤال، وقوله: (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) هذا زيادة عليه.