وَالْخِلَّةِ وَالتَّكْلِيمِ يَعْلُو كَوْنَ الشَّيْطَانِ لَمْ يَمَسَّهُمَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ ; عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ - تَعَالَى - تَقَبَّلَ مِنْ أُمِّهَا إِعَاذَتَهَا وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَهَذِهِ الْإِعَاذَةُ قَدْ كَانَتْ بَعْدَ وِلَادَتِهَا وَالْعِلْمِ بِأَنَّهَا أُنْثَى ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسَّ يَكُونُ عِنْدَ الْوَضْعِ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِمَا .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ أَيْ تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا وَرَضِيَ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّرَةً لِلِانْقِطَاعِ لِعِبَادَتِهِ وَخِدْمَةِ بَيْتِهِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ (قَبْلِهَا) وَزَادَهُ مُبَالَغَةً وَتَأْكِيدًا وَصْفُهُ بِالْحُسْنِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَقَبِلَهَا رَبُّهَا أَبْلَغَ قَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا أَيْ رَبَّاهَا وَنَمَّاهَا فِي خَيْرِهِ وَرِزْقِهِ وَعِنَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ تَرْبِيَةً حَسَنَةً شَامِلَةً لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ كَمَا تُرَبَّى الشَّجَرَةُ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ حَتَّى تَنْمُوَ وَتُثْمِرَ الثَّمَرَةَ الصَّالِحَةَ لَا يُفْسِدُ طَبِيعَتَهَا شَيْءٌ ; وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنِ التَّرْبِيَةِ بِالْإِنْبَاتِ لِبَيَانِ أَنَّ التَّرْبِيَةَ فِطْرِيَّةٌ لَا شَائِبَةَ فِيهَا ، وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ الْقَبُولَ مَصْدَرُ"قَبِلَ"لَا"تَقَبَّلَ"وَالنَّبَاتُ مَصْدَرٌ لِـ"نَبَتَ"لَا لِـ"أَنْبَتَ"وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُخْرِجُ الْمَصْدَرَ أَحْيَانًا عَلَى غَيْرِ صِيغَةِ الْفِعْلِ ، وَالشَّوَاهِدُ
عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ . (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) شَدَّدَ الْكُوفِيُّونَ مِنَ الْقُرَّاءِ الْفَاءَ ، وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأُولَى وَجَعَلَ زَكَرِيَّا