وعلى ذلك ما روي في الحديث الصحيح: أن نعيمان رضي الله تعالى عنه كان يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شارباً، فأتي به مرة، فحدَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضربه بالنِّعال، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تَلْعَنْهُ"، وفي رواية:"لا تَسُبُّوْا نُعيْمانَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ".
فأثبت له النبي - صلى الله عليه وسلم - محبة الله ورسوله مع هذه المعصية؛ لأنها كانت عن خطأ وزلة، لا عن قصد المباينة والمخالفة؛ فإنها لو كانت كذلك لكانت مناقضة للمحبة؛ فإن هذه المعصية لا تجامع المحبة
أصلاً بخلاف تلك.
وأنت فتأمل في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آل عمران: 31] ؛ فإنه أثبت للمحبين ذنوباً تغفر، وهي ذنوب الخطأ والزلات، لا ذنوب القصد والمخالفات.
وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنه سبحانه وتعالى جعل وجود المحبة مشروطاً بوجود الاتباع، لا بعدم المعصية.
قال وهب بن منبه: قال إبليس: يا رب! إن عبادك يحبونك ويعصونك، ويبغضوني ويطيعوني، فقال الله تعالى: إني قد غفرت لهم ما يعصوني بما أحبوني، وعفوت عما يطيعونك بما أبغضوك.
وروى الطبراني، والبيهقي في"شعب الإيمان"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْباً يَعْتَادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْباً لا يَتْرُكُهُ حَتَّىْ يَمُوْتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءَ نسَّاءَ، فَإِذَا ذَكَرَ ذُكِرَ".
وروى البزار، والطبرانيُ - وحسنه ابن حجر في"أماليه"- عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْمُؤْمِنُ وَاهٍ رَاقِعٌ، وَسَعِيْدٌ"
مَنْ ماتَ عَلَىْ رُقْعَةٍ"."
وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن قد يقع منه المعصية على وجه الخطأ والنسيان، ولا يضره ذلك إذا مات على توبة وإحسان، كيف وقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [سورة طه: 115] .