إن الحق سبحانه لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد. إن الحق سبحانه عندما كلفنا إنما يريد لنا أن نتبع قانون صيانة حياة الإنسان. وقد ضربنا المثل - ولله المثل الأعلى ، بالآلة المصنوعة بأيدي البشر ، إن المهندس الذي صممها يضع لها قانون صيانة ما ، ويضع قائمة تعليمات عن كيفية استعمالها ؛ وهي تتلخص فِي"افعل كذا"و"لا تفعل كذا"، ويختار لهذه الآلة مكانا محددا ، وأسلوبا منظما للاستخدام.
إذن فوضع قائمة بالقوانين الخاصة بصيانه واستعمال آلة ما وطبعها فِي كراسة صغيرة ، هي لفائدة المنتفع بالصنعة. هذا فِي مجال الصنعة البشرية فما بالنا بصنعة الله عز وجل ؟ إن لله إيجادا للإنسان ، ولله إمدادا للإنسان ، ولله تكليفا للإنسان ، والحق قد جعل التكليف فِي خدمة الإيجاد والإمداد. إن الحق لو لم يعطنا نظام حركة الحياة فِي"افعل"و"لا تفعل"لفسد علينا الإيجاد والإمداد ، إن من تمام نعمة الحق على الخلق أن أوجد التكليف ، وإن كان العبد قد عرف قدر الله فأحبه للإيجاد والإمداد فليعرف العبد فضل ربه عليه أيضا من ناحية قبول التكليف ، وأن يحب العبد ربه لأنه كلفة بالتكاليف الإيمانية.
إنك قد تحب الله ، ولكن عليك أن تلاحظ الفرق بين أن تحب أنت الله ، وأن يحبك الله. إن التكليف قد يبدو شاقا عليك فتهمل التكليف ؛ لذلك نقول لك: لا يكفي أن تحب الله لنعمة إيجاده وإمداده ؛ لأنك بذلك تكون أهملت نعمة تكلفيه التي تعود عليك بالخير ، إن نعمة التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها أيها الإنسان ، فلا تهملها ، ومن الجائز أن تجد عبادا يحبون الله لأنه أوجدهم وأمدهم بكل أسباب الحياة ، ولكن حب الله لعبده يتوقف على أن يعرف العبد نعمته - سبحانه - فِي التكليف ، إن الله يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة فِي التكليف.