وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح فِي بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود . وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون فِي حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له ، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف ، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق . عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله""لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس" {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله تعالى بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب فِي التصدق على أهل الأديان قال فِي آخره {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف . كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك . ثم أرشد فِي خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار} الآية . وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال . والباء بمعنى"فِي"أي فِي الليل والنهار و {سراً وعلانية} منصوبان على الظرفية أيضاً أي فِي أوقات السر والعلن ، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية ، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق ، وقيل: لما نزل {للفقراء الذين أحصروا فِي سبيل الله} بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر