وأنه الحكمة العلمية ثم قال {فاتقون} [النحل: 2] وهو الحكمة العملية . فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان فِي هاتين القوتين . والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل . ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي ، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول {فيه يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] أي محكم . وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله تعالى . والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا {وما يذكر إلا أولوا الألباب} الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات ، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول . وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم . ثم إنه تعالى نبه على أنه عالم بما فِي قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء ، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال {وما أنفقتم من نفقة} لله أو للشيطان {أو نذرتم من نذر} فِي طاعة الله أو معصيته {فإن الله يعلمه} وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى"ما"وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: