ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان؛ لأن قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ) ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ؛ وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ فجائز أن يكون وجد منه ذلك كله، وهو أن يكون قريبًا من الثلثين، وقريبًا من النصف، وأدنى من الثلث؛ على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى؛ لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم يوجد موافقة الثلثين، وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا؛ لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف، وأدنى من الثلث، وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر؛ وهذا كقوله تعالى: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ) ، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا؛ لما وجد الأمران جميعا، وهو أن يكون موسى - عليه السلام - وفرعون عَلِما بها أي: بالآيات جميعا.
وكذلك قال في سورة سبأ: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ، وقرئ: (رَبَّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة؛ فقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا بَاعِدْ) ودعاء، وقوله (رَبُّنَا بَاعَدَ) على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب؛ فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، واللَّه أعلم.
ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، ويكون الزيادة بحكم النافلة.