احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل ، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين ، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية.
المسألة الثانية:
احتج بهذه الآية من قال: الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال: إنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي ، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب: أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه ، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر.
المسألة الثالثة:
قال صاحب"الكشاف": ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي ، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم.
المسألة الرابعة:
احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية ، وقالوا: دلت الآية على أن للسمع مدخلاً في الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل.
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)
واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار هذا القول قال: {فاعترفوا بِذَنبِهِمْ} قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسول وهو قولهم: {فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْء} [الملك: 9] وقوله: {بِذَنبِهِمْ} فيه قولان: أحدهما: أن الذنب ههنا في معنى الجمع ، لأن فيه معنى الفعل ، كما يقال: خرج عطاء الناس ، أي عطياتهم هذا قول الفراء والثاني: يجوز أن يراد بالواحد المضاف الشائع ، كقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله} [النحل: 34] .