ولما عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم وقدمه لما اقتضاه مقام التكذيب من الترهيب ، وجعله سابعاً إشارة إلى أبواب النار السبع ، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة ، وجعله ثامناً على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال تعالى:
{ولمن خاف} أي: من الثقلين ووحد الضمير مراعاة للفظ من إشارة إلى قلة الخائفين {مقام ربه} أي: قيامه بين يدي ربه للحساب بترك المعصية والشهوة ؛ قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله تعالى وهو كالأجل في قوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم} (الأعراف: (
وقوله تعالى في موضع آخر: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} (نزح: (. وقال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافته عز وجل. {جنتان} أي: لكل خائف جنتان على حدة. قال مقاتل: جنة عدن وجنة النعيم وقال محمد بن علي الترمذي: جنة بخوف ربه وجنة بترك شهوته ؛ وقال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض ؛ وقيل: جنتان لجميع الخائفين ؛ وقيل: جنة لخائف الإنس وأخرى لخائف الجنّ فيكون من باب التوزيع ؛ وقيل: مقام هنا مقحم كما تقول أخاف جانب فلان ، وفعلت هذا لمكانك ، وأنشد:
* ونفيت عنه ** مقام الذئب ؛ كالرجل اللعين*
يريد ونفيت عنه الذئب ؛ قال ابن عادل: وليس بجيد لأنّ زيادة الاسم ليست بالسهلة ؛ وقيل: إنّ الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ، ورثها ؛ وقيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا ؛ وقيل: إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه ؛ وقيل: إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها ؛ وقال الفراء: إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي ؛ وأنكر القتيبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال: تسعة عشر مراعاة لرؤوس الآي ؛ وقيل: جنة واحدة وإنما ثنى تأكيداً كقوله تعالى: {ألقيا في جهنم} (ق: (