لكن الْقُتَبِيّ أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، واللَّه أعلم.
ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيرًا، وبروزا، فهو على وجهين:
أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذ العالم.
والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله تعالى، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) .
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) لأصحاب اليمين.
ثم نعت ووصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ(48) قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.
وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضرته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تينك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ(50)
وقال أصحاب اليمين: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) ، والناضخ: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضخ دون الجريان.