فالجواب على مذهب المعتزلة يجب عليه عقلاً، فإن الجزاء واجب، وذلك لا يتم إلا بالحشر فتجب الإعادة عليه عقلاً، وأما على مذهب أهب السنة ففيه وجهان:
الأول: «عَلَيْهِ» بحكم الوعد، فإنه قال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى} [يس: 12] «فَعَلَيْهِ» بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشَّرْع.
الثاني: «عليه» بحكم التعيين، فإن من حَضَرَ بين جمع وحاولوا أمراً وعجزوا عنه، يقال له: وَجَبَ عَلَيْكَ إِذَنْ أنْ تَفْعَلَه أي تَعَيَّنْتَ لَهُ.
{وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) }
والمعنى أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود إنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وأطْغَى لطول دعوة نوح إياهم وعُتُوِّهِمْ على الله بالمعصية والتكذيب وهم الباقون بالظلم والمتقدمون فيه ومن سن سنة سيئة فعليه وِزْرها ووزرُ من عمل بها والبادئ أظلم وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ولا يدعو نبي على قومه إلا بَعْدَ الإصرار العظيم.
والظالم واضع الشيء في غير موضعه، والطَّاغِي المجاوز للْحَدِّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : المراد من الآية تخويف الظالم بالهلاك، فإذا قيل: إنهم كانوا في غايةِ الظلم والطُّغْيَان فأهلكوا (ويقول الظالم: هم كانوا أظلم فأهلكوا) لمبالغتهم في الظلم ونحن ما بالغنا، فلا نهلك، فلو قال: أهلكوا لظلمهم لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله: أظلم؟
فالجواب: أن المقصود بيان (شِدَّتِهِمْ) وقوة أجسامهم، فإنهم لم يقدموا على الظلم والطُّغْيَان الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم ومع ذلك ما نجا أحدٌ منهم فما حال من هو دونهم في العمر.
رُوِيَ أن الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه ينطلق به إلى قوم نوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - يقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا، وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...