والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئرٌ ظنونٌ لا يدري أفيه ماءٌ أم لا؛ لخفاء الأمر فيه ودينٌ ظَنُونٌ. يخفى الأمر فيه فنقول: يجوز بناء الأمر على الظن عند العجز عن درك اليقين، وأما الاعتقاد فليس كذلك، لأن اليقين لم يتعذّر علينا. وإلى هذا أشار بقوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى} أي اتبعوا الظن وقد أمكنهم الأخذ باليقين. وفي العمل يمتنع ذلك أيضاً. والله أعلم.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال (تسمية الأنثى) ولم يقل: تسمية الإناث؟
فالجواب: أن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآية. أو يقال: إنه لو قال الإناث لأوهم أعلام إناث، كعائشةَ وفاطمةَ. والمراد إنما هو البنات. وقد تقدمت شبهتهم.
قوله: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ}
قال الزمخشري: الضمير في (به) يعود إلى ما كانوا يقولون.
وقيل يعود إلى ما تقدم من عدم قَبُول الشفاعة.
وقيل: يعود إلى الله أي ما لهم بالله من علم فيُشْرِكُونَ. وقال مكي: الهاء تعود على الاسم لأن التسمية والاسم بمعنًى.
قوله: {إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً}
قيل: الحق بمعنى العلم أي لا يقوم الظنّ مَقَام العلم.
وقيل: الحق بمعنى العذاب، أي إنّ ظنهم لا يُنْقِذُهُمْ من الْعَذَابِ.
قال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يُغْني في الاعتقادات شيئاً، وأما الأفعال العُرْفية أو الشرعية فإنه يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين.
ويحتمل أن يقال: المراد من الحق هو الله، والمعنى أن الظن لا يفيد شيئاً من الله أي أن الأوصافَ الإلهيَّة لا تستخرج بالظنون بدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق} .
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس الظن قد يصيب فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلاً؟
فالجواب: أن المكلف لا يحتاج إلى مميز يُمَيّز الحقَّ من الباطل؛ ليعتقد الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير لكن في الحق ينبغي أن يكون جازماً لاعتقاد مُطَابَقَتِهِ، والظَّانّ لا يكون جازماً وفي الخير ربما يعتبر الظن في مَواضِعَ.
(فصل)