ومعنى الآية: أي كيف ينكرون الخالق الموجد، فهل هم خلقوا هذا الخلق البديع الصنع من غير خالق ولا موجد، والعقل يشهد بأن كل ما يوجد من العدم لا بد له من موجد. {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} ؛ أي: بل أهم أوجدوا أنفسهم، والضرورة والعقل يكذبان ذلك. إذ يلزم من هذا أن الشيء يكون مقدمًا في الوجود على نفسه.
فهم باعتبار أنهم خالقون مقدمون على أنفسهم في الوجود باعتبار أنهم مخلوقون. وهذا بين البطلان.
36 - {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وهم لا يدعون ذلك، فلزمتهم الجحة. ولهذا أضرب عن هذا، وقال: {بَلْ لَا يُوقِنُونَ} ؛ أي: ليسوا على يقين من الأمر، بل يتخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده. فأم للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي؛ أي: ما خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون بأنّ الله واحد. فإذا سئلوا من خلقكم، وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وهم غير موقنون بما قالوا، وإلا لما أعرضوا عن عبادته؛ أي: لما لم ينشأ من إيقانهم بالله أثر، وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم، فنفي عنهم. وفي هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: إنهم كما طعنوا فيك يا محمد طعنوا في خالقهم، فلا تحزن لعدم إيمنهم ولا تبخع نفسك عليهم.
37 - {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ} رحمة {رَبِّكَ} ورزقه. فهو على حذف مضاف؛ أي: هل عندهم خزائن النبوّة، ومفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا، ويمسكونها عمن شاؤوا؛ أي: أعندهم خزائن علمه وحكمته، حتى يختاروا لها من اقتضت الحكمة اختياره. وقيل: هل عندهم خزائن أرزاق العباد فيعطونها من شاؤوا، ويحرمونها من شاؤوا.