قلت: هي واقعة موقع الحال. والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده. يعني أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي جميعا منه.
إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من تسخير البحر وما في السماوات والأرض لكم لَآياتٍ ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في هذه النعم، ويحسنون شكرها.
وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التي يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره .. فقال - تعالى -:
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما روي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر بن الخطاب، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهمّ أن يبطش به، فنزلت.
ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا: بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه.
أي: قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح والإرشاد، قل
لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين.
فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذي فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين.
وقوله - سبحانه -: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو .. والتنكير في لفظ قَوْماً للتعظيم.